أبن الصعيد
اهلا بك زائرى الكريم نتشرف
بان تسجل معنى

عقدبين العلم والمجتمع

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

عقدبين العلم والمجتمع

مُساهمة من طرف صمت الايام في الخميس يوليو 14, 2011 11:07 am

جورج بحر
(أمين عام الأكاديمية اللبنانية للعلوم)


العلاقة بين العلم والمجتمع هي علاقة مترابطة ومتكاملة.
فالعلم، هو معرفة وإدراك حقيقي لظواهر مختلفة سواء أكانت اجتماعية، اقتصادية، طبيعية أم غيرها. أما التقدم الاجتماعي، أي التحرر والانفتاح والتطور في الآراء السياسية والاجتماعية، فمرتبط مباشرة بالتطور العلمي ومرتكز على أساسه.
إذاً، من المستحيل الفصل بين العلم والمجتمع. ولكن، كيف يمكننا وضع العلم في خدمة المجتمع؟
للإجابة عن هذا التساؤل، لا بدّ من رؤية مبنية على:
- أولاً: توضيح القيمة العامة للعلم ولاسيما العلم الأساسي.
- ثانياً: تحديد وتقويم الموضوعات الملحة والحرجة التي تواجه المجتمعات من ناحية، ودور العلم في إيجاد حلول لها من ناحية ثانية.
- ثالثاً: إبراز دور العلم في تنمية المجتمع، وضرورة إيجاد عقد جديد بين العلم والمجتمع لكي نتوصل إلى خدمة الإنسانية بشكل أفضل.
- رابعاً: تصحيح العلاقة بين الدين والعلم، وإظهار كيف أن كليهما ضروريان، وما هو دور كل منهما لبلوغ مجتمع متجانس ومتكامل.




I - ما هي القيمة العامة للعلم” في الحياة، ولاسيما “العلم الأساسي؟


للعلم قيمة كبيرة في الحياة، وخاصة العلم الأساسي، لأنه مصدر كل معرفة جديدة، ويوفر المعلومات الأولية للبحث عن طرق أفضل لحل الأزمات التي تواجه الحضارة البشرية. فنتائج البحوث العلمية تؤثر مباشرة في حياة المجتمع وتعطي الخبراء إمكانية حل المشاكل الحياتية. لذلك، علينا أن نحفظ وننمي جميع الهيئات التي تساهم في تطوير البحوث العلمية، ونشر نتائجها، وإيصالها إلى كل بيت. ومن أهم هذه الهيئات في الدول الراقية، والتي يعود تاريخ إنشائها إلى مئات السنين، هي أكاديميات العلوم كتلك الموجودة في فرنسا والولايات المتحدة. تشكل هذه الأكاديميات ضمير المجتمع العلمي وتغذي الوعي عند العامة. ومن المؤسف ألاّ تكون لدى العديد من الدول، حتى الآن، هيئات مشابهة. أما في لبنان، فقد أنشئت في آب 2007 الأكاديمية اللبنانية للعلوم بدعم من الأكاديمية الفرنسية وغيرها من الأكاديميات العالمية. ولا يقتصر وجود أكاديمية للعلوم في هذه المنطقة في توفير مجالات جديدة للأبحاث العلمية فقط، بل يمنح المجتمع الطريق الصحيح للتعرف إلى نتائج البحوث، ثم فهمها واستعمالها في بناء حياة أفضل. إضافةً إلى ذلك، فإن وجود مثل هذه الهيئات المستمدّة شرعيتها من أهل العلم، يشكل الرادع الأساسي للخرافات والمعتقدات التي تُبنى على أسس غير علمية، وتهدف إلى نشر أفكار غامضة، وإثارة العصبيات عند الرأي العام. فمعظم النزاعات العسكرية، والكوارث المادية، والانتحارات الجماعية وغيرها من المؤشرات الرديئة التي تصيب المجتمع، إنما هي في الأساس ناتجة من خلق حالات وهمية ونشر أفكار غامضة وغير علمية عند الشعوب.




II – دور العلم في إيجاد الحلول


سأتطرق، في معالجتي لهذه النقطة، إلى بعض المواضيع الملحة والحرجة التي تواجه الإنسان، وإلى دور العلم في إيجاد الحلول لها:
الموضوع الأول: تصادم المفاعل الذري والجزيئي
(atomic and molecular collisions)
حاولت دراسات عديدة، على مر السنين، أن تعرف تفاصيل التصادم الجزيئي الذي يغير التكوين الكيميائي للمواد التي تصنع الكون. هذه الدراسات عانت من واقع التصادم الجزيئي الذي لا يمكن أن يشاهد بالعين المجردة، أو حتى بالمجهر. ولكن مع التقدم العلمي الجديد الذي أنتج الليزر و(molecular beam technology) ، أصبح ممكناً درس التفاعلات الكيميائية خطوة خطوة، مما سيؤدي إلى وضع خريطة التكوين الكيميائي للكون.
هذا التقدم في مجال الكيمياء يشابه تماماً التقدم الذي حصل في مجال البيولوجيا عندما تم اكتشاف جميع الجينات عند الإنسان. فاليوم نستطيع أن نستبق معرفة الأمراض الناتجة عن تغيير في الجينات عند الجنين.
سيمكّننا هذا التقدم في العلم والتكنولوجيا، في المستقبل القريب، من معالجة العديد من الأمراض الوراثية والجرثومية والسرطانية عن طريق وضع جينات فعالة في خلايا الإنسان، وهذا ما يسمى بالعلاج الجيني أو (gene therapy). إذا ً، لقد أعطانا التقدم الناتج عن البحوث في العلوم الأساسية تكنولوجيا جديدة تمنحنا اليوم تحقيق تقدم خيالي في حقول الكيمياء والبيولوجيا والطب.




الموضوع الثاني: دماغ الإنسان


يحتوي دماغ الإنسان على مليارات من الخلايا العصبية ( Neurons) تتصل بعضها ببعض من طريق مليارات من نقاط اشتباك( synapse) حيث يجري تبادل المعلومات بين الخلايا. فالأعمال المنوطة بالعقل مثل اللغة والكلام، وأخرى أكثر تعقيداً مثل التخيّل والتفكير، تعتمد على إشارات ترسل عبر نقاط الاشتباك وهي مواد أو بروتينات يفرزها نوع من الخلايا وتعمل على نوع آخر. حتى اليوم، لا نعرف جميع هذه المواد ولا الطرق المفصلة لعملها.
أعطتنا البحوث الأساسية في البيولوجيا على الضفدعة طريقة جديدة لمعرفة عمل المواد في دماغ الإنسان. فاليوم نستطيع أن نأخذ بيضة الضفدعة غير الناضجة (oocyte) ونحقنها بالجينات المشفّرة لمواد الدماغ، ونكشف بالتالي عن “أفعال” هذه المواد الموجودة في عقل الإنسان والمسؤولة عن عمله الطبيعي. إذاً يمكن للتقدم العلمي في حقل معين أن يكون له تأثير كبير في حل المشاكل المتعلقة بحقول أخرى. فلنأخذ هذا المثل إلى مدى أبعد: الأدوية التي تعطى لمعالجة الاكتئاب النفسي، مثل دواء “البروزاك” الذي يجعل المرضى المكتئبين يخرجون من حزنهم إلى حالة من السعادة. بالتأكيد، يعمل “البروزاك” على إيقاف إفراز بعض المواد في الدماغ، ولكن لا نعرف بدقة وتفصيل كيفية فاعلية “البروزاك”. إلاّ أن اليوم، ستكشف لنا البحوث التي تستعمل بيضة الضفدعة كيفية عمل “البروزاك” وإمكان إيجاد أدوية جديدة ذات مفعول أكبر وتأثيرات سلبية أقل.




الموضوع الثالث: الضبخّن الهوائي
(air related smog)


الضبخّن الهوائي هو مزيج من الدخان والضباب الذي يغلف شوارع المدن الكبيرة، وينتج عن احتكاك الهيدروكاربون وأوكسيد النيتروجين تحت ضوء الشمس. واستعمال الإنسان للمحروقات مثل البترول والفحم والغاز الطبيعي يؤدي إلى انتشار واسع للهيدروكاربون في الغلاف الجوي. هذا العامل، مع غيره من العوامل، مثل قطع الغابات والتكاثف السكاني في المدن، يؤدي إلى رفع مستوى الضبخّن الهوائي، وإلى أمراض رئوية عديدة عند الإنسان. لقد وصلنا إلى وضع خطير في بعض المناطق من العالم، بحيث إن معدل الضبخّن الهوائي أصبح قاتلاً كما كانت الحال في ماليزيا، منذ بضعة أعوام. كما أنه من حوالى مئة سنة كان عدد سكان 13 مدينة في العالم فقط يقارب المليون نسمة. أما في سنة 2025، فمن المتوقع أن يكون هناك ما يتعدى الـ500 مدينة يفوق عدد سكان كل منها ملايين عدة.
إذاً، فارتفاع مستوى الضبخّن الهوائي في المدن سيشكل مشكلة العصر التي لا تُحل إلا من طريق القيام بالبحوث العلمية الأساسية، ونشر نتائجها، وتثقيف الوعي العام بحجم المشكلة وكيفية تجنّبها.




الموضوع الرابع: ظاهرة الدفيئة
(Global warming)


يشكّل الارتفاع الدائم في حرارة الجو مشكلة كبيرة للإنسانية. والعلم في دأب ثابت لإيجاد الحل. فارتفاع معدل غازات معينة في الجو مثل ثاني أوكسيد الكربون، قد أنتج ارتفاعًا في حرارة الطقس خلال المئة سنة الماضية، يراوح بين ثلث أو ثلثي درجة مئوية. ومن المتوقع، في القرن الحادي والعشرين، أن يفوق الارتفاع الحراري الدرجتين. سينتج عن هذا الارتفاع مساوئ عديدة في المجتمع البشري، بدءًا بالزراعة - وذلك لأن العديد من المحاصيل الزراعية ستفقد بسبب الطوفانات والأعاصير، وارتفاع معدل سطح البحر، بحيث تصبح مياه الشفة غير صالحة في أماكن عدة - وانتهاءً بالصحة العامة، إذ سنشهد انتشارًا كبيرًا للميكروبات، مثل البكتيريا والفيروسات التي تتكاثر في البيئة الدافئة والرطبة.
إذاً فناقوس الخطر قد قرع، وعلى الحكومات أن توفر للعلم مجالا لإيجاد الحلول المناسبة والمقترنة باستراتيجية سياسية تحدّ من ارتفاع الضبخّن الهوائي ومن انتشار الغازات المؤدية إلى ارتفاع الحرارة.




III - دور العلم في الدفاع عن المجتمع وتنميته


كانت البشرية على الأرض، ولا تزال، مهددة بعدة عوامل متفاعلة مثل: التغيير المناخي، استنزاف الثروة الطبيعية، تكاثر السكان الذي ارتفع من 2.5 مليارين إلى ما يعادل 6 مليارات في غضون خمسين سنة، وزعزة النظام البيئي والاجتماعي. إضافة إلى ذلك، فقد أصبحت الدول مهددة بتطورات خارجة عن إرادتها، وفي بعض الأحيان، من خارج أرضها. كيف يمكننا بالتالي التحكّم بهذه التطورات المتفاعلة؟ على العلم أن يتقدم بأجوبة للمجتمع الإنساني حول أمور عديدة، منها: نقص توافر الغذاء، هدر الثورة المائية، التقلب المناخي، العبء الاقتصادي للأسلحة النووية على المجتمع، والتهديدات الناتجة عن الاقتصاد العالمي المفتوح أو الحر. ومع أن العلم قد قدّم بعض الحلول والإرشادات في هذا المجال، غير أن مواجهة هذه الأمور المعقدة تبقى صعبة، ولا يمكن أن تتم بالمعرفة العلمية الموجودة اليوم، وإنما بالإبداع العلمي الذي يحمي المجتمع من التهديدات المكثفة. ولكن يبقى السؤال، هل يمكن الإنسان أن يبدع أكثر مما أبدع حتى الآن؟ الجواب هو طبعاً إيجابي، لأن الإنسان مشارك فعلي في تنفيذ قوة الخالق، وبإمكانه أن يبني عالمه، ويحمي بيئته بشكل يناسب تطورات عصره. هذا الإيمان بقدرة إبداع الإنسان مرتكز، أصلاً، على تاريخ البشرية وعلى الفلسفة القائلة “إن لفكر الإنسان قدرةً تتخطى حدود الطبيعة، فهو ليس مقيداً بمعرفة ما يراه، وإنما يستطيع أن يستعمل إدراكه الحسي، ليصل إلى عمق الحقيقة التي تتجاوز حدود وقدرة الإحساس”.
من ناحية ثانية، هناك واقع علمي مليء بالتناقضات بين دول الشمال، أي الدول المتقدمة، ودول الجنوب، أي الدول التي هي في طور النمو. إن التوازن بين الشمال والجنوب مفقود كليا،ً وهذا ما نلمسه من خلال الفرق الشاسع في كمية الإنتاج العلمي والتكنولوجي، وفي الاستفادة من هذا الإنتاج في المجتمع. على سبيل المثال، فإن المنشورات العلمية الناتجة عن البحوث في دول الشمال تشكل اليوم حوالى 90 % من الإنتاج العلمي الذي يحصل في العالم كله. ففي العام 1997 أيضاً، بينما كان 442 شخصاً من كل ألف شخص في الولايات المتحدة يستعملون الإنترنت، كان هناك 0.05 فقط من كل ألف شخص في الهند لهم القدرة على استعمالها. إذاً، هذه الحالة غير المتوازنة علمياً، تخلق فارقاً كبيراً في مستوى المعيشة، وتؤدي إلى زعزعة النظام الاجتماعي والسلام العالمي. السؤال هنا هو: كيف يمكن العلم أن يُحدث التنمية المطلوبة في دول الجنوب، ويؤدي إلى رفع مستوى المعيشة، وانتشار السلام والعدالة الاجتماعية، وتخطي الحواجز الموجودة حالياً مثل هجرة الأدمغة في دول الجنوب وضعف المنطق الاجتماعي في تصور المستقبل؟
أما الجواب، فهو في خلق عقد جديد، أو معاهدة جديدة بين العلم والمجتمع ترتكز على أسس واضحة، أهمها:




أولاً: تطوير أبعاد العلم
واحتواء طريقة استعماله

كان العلم، ومازال حتى اليوم، يركز على مواضيع ضيّقة، أو محدودة. وعلى الرغم من أن هذا المنهج قد أعطى معلومات مهمة ومفيدة في حقول معينة، فإنه لم يعد ينفع، لأن مشاكل المجتمع ومعالجة العلم لها يجب أن تؤخذ بصورة إجمالية متممة ومتكاملة. ومع أنه، في وقتنا الحاضر، ليس هناك أثر أكبر على البشرية من أثر الإنتاج العلمي الحديث، فإن العديد من المجتمعات على الأرض لا تزال تنظر بارتياب إلى التقدم العلمي، وتخشى أن تعاني، بطريقة غير مباشرة، من هذا التقدم الذي برأيها سوف يعود بالفائدة على طبقة معينة ذات امتيازات في المجتمع. إذاً، على العلم أن يدخل في الطور الانتقالي، أي الانتقال مما كان عليه إلى ما يجب أن يكون عليه، أي إلى علم كروي متكامل، إنساني وشامل للدول الغنية والفقيرة على السواء. وتقع مهمة نجاح هذا الانتقال أولاً على كاهل أهل العلم المطلوب منهم أن يوضّحوا للمجتمع مخاطر التقدم التكنولوجي، وأن يصرّوا على مشاركة العلماء من دول الجنوب في بحوث ومشاريع تفيد الإنسانية جمعاء.



ثانياً: نشر المعلومات والثقافة


على العقد الجديد بين العلم والمجتمع أن يُبنى على توضيح كامل للدراسات العلمية ونشرها بطريقة صحيحة وسهلة الفهم لتتمكن العامة من استيعابها، وتفسيرها تفسيراً دقيقاً حتى ولو كانت مخالفة لأطماع وتوجهات فئات معينة في المجتمع. في هذا الإطار، على وسائل الإعلام، من صحف وراديو وتلفزيون، أن تلعب دورًا أساسيًا، من خلال صحافيين علميين قادرين على القيام بواجبهم، وإيصال الحقيقة العلمية إلى الرأي العام. ولا بد هنا من التقدم من المسؤولين في الشبكات التلفزيونية في لبنان والعالم العربي بطلب تخفيض، ولو بنسبة 10 %، من الوقت المعطى للأفلام التقليدية التي تعرض يومياً، والبدء بتحضير برامج علمية تشرح للشعب آخر التطورات في حقلي التكنولوجيا والعلوم، ووتؤكّد على أهميتها في تحسين حياة كل فرد في المجتمع. إن نشر الثقافة العلمية وتحضير كوادر إعلامية قادرة على توضيح هذه الثقافة هما من أسس رفع مستوى الحياة والتطور الدائم.




ثالثاً: تصحيح العلاقة
بين الشمال والجنوب


هناك عوامل أساسية تسبب الفارق الكبير في تنمية العلم وتنفيذه بين بلدان الشمال والجنوب. على سبيل المثال، فالدعم المادي في بلدان الجنوب أقل بكثير، وهذا دليل على أن إبداع وتطوير الأبحاث العلمية لا يحتلان مرتبة مهمة في السياسة التربوية، كما أن فهم واستعمال المعلومات العلمية والتقنية ليس سهل المنال عند العامة، وعدد العلماء قليل جدا،ً والإمكانات المتاحة لهم من قبل أهل السياسة هي شبه معدومة. من ناحية أخرى، المشاكل التي تواجه الدول في طور النمو قد تختلف أحيانا عن المشاكل في الدول النامية. ونذكّر هنا على سبيل المثال أن بعض الأمراض، مثل البلهارسيا ومرض الشاكاس، تنتشر في بلدان الجنوب فقط، ولذلك لا نرى استعدادا من الهيئات العلمية في الدول النامية لوضع الطاقات المادية والبشرية في سبيل حل هذه المشاكل.
لذا نرى أنه من واجب العقد الجديد بين العلم والمجتمع أن يردم هذه الفجوة بين بلدان الشمال وبلدان الجنوب، وذلك من طريق:
1) إعطاء البلدان في طور النمو القدرات والخبرات العلمية لكي تستطيع هذه الدول حل مشاكلها، ولاسيما في حقول الصحة والطاقة والثروة المائية.
2) تسهيل إنتاج المعرفة والتكنولوجيا اللتين تشجعان حماية البيئة وتساهمان فيها وفي إدارة الثروات الطبيعية من خلال سياسة منطقية علمية بعيدة المدى.
3) وقف هجرة الأدمغة من بلدان الجنوب، ومنح العلماء جميع الوسائل التي تساهم في إنتاج البحوث العلمية.




رابعاً: اقتران السياسة العلمية
بالأخلاق


إن التقدم الذي لا يأخذ في الاعتبار جميع المؤشرات الاجتماعية، قد يحدث أثراً سلبياً على الإنسان ومجتمعه. ومع أن التكنولوجيا الحديثة قد تؤدي إلى زيادة عالية في الإنتاج التجاري، فهي في الوقت نفسه قد تسبب نقصاً في فرص العمل، وتنتج الفقر والانقسام الحاد في طبقات المجتمع. هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى، فإن التقدم الهائل في حقل التكنولوجيا الحيوية والطبية (Medical Biotechnology) يتم بسرعة تفوق قدرة المجتمع على تبنيه أخلاقياً واجتماعيا. المثال على ذلك أن تقدم الأبحاث في الأمراض الوراثية قد أعطى منفعة ملموسة في تشخيص هذه الأمراض ومعالجتها. ولكن، في الوقت نفسه، أدت أبعاد هذه البحوث التطبيقية إلى طرح أسئلة كثيرة حول حقوق الإنسان، وإلى تخوف من أن تصبح نتيجتها في أيدي الأقلية التي تهدف إلى تغيير أو تحطيم التركيبة الاجتماعية. وفيما يأخذ التقدم في حقل العلوم الطبية منحىً مخيفًا ويركز على تفسير الإنسان من خلال الجينات أو الشفرات الوراثية فقط، فهو يهمل، بشكل مرعب، النواحي البيئية والاجتماعية التي تساهم في حفظ الإنسان على ما هو عليه. إذاً، يفرض العقد الجديد بين العلم والمجتمع على العلماء أن يدخلوا في حوار مفتوح مع أهل السياسة وأهل المجتمع لمناقشة الأبعاد المترتبة على أي اكتشافات علمية، ويساعدوا على التمييز بين ما هو اجتماعي نافع واجتماعي مضر. فعلى المجموعة العلمية أن تتبنى القَسَم الأخلاقي للعلماء، كما هو الحال في قَسم أبوقراط (هيبوكرات) للأطباء، والذي يفرض سيرة أخلاقية معيّنة على العلماء، ويحدد المناهج المتبعة في البحوث لتلائم أخلاقية الإنسان ومجتمعه. وعلى المجتمع، من جانبه، أن يعي أن الوصول الى تنظيم الأخلاقية العلمية وممارستها لا يتمّان إلا بإشراك أهل العلم في تحديد السياسات العلمية والتربوية عند الدول.




IV - العلم والدين

لطالما كانت مخاطر فصل العلم عن الدين من المسلّمات. لقد تحدث ألبرت اينشتاين عن ذلك منذ سنوات عديدة قائلاً: “العلم بلا دين أعمى، والدين بلا علم أعرج”. بقوله هذا، كان أينشتاين يوجه انتقاداً للفريقين على حد سواء. غالباً ما كان العلماء يبقون على مسافة من القيم والعلاقات الإنسانية، في حين كان بعض رجال الدين يستخف بالمعرفة العلمية معتبرين أن لا صلة تربطها بمعتقداتهم. مما لا شك فيه أن الموقفين خطآن. فالمعرفة والقيم دائمًا مترابطتان. ليس باستطاعة العلماء العمل من دون أن يأخذوا في الاعتبار الوسيلة التي سيتم فيها استخدام معرفتهم. أما أولئك المهتمون بالقيم والمعتقدات، فهم غير قادرين على القيام بواجبهم إلاّ إذا ربطوه بكل ما هو جديد في العلم.
لقد تم التنبه إلى الحاجة للربط بين المسائل العلمية والدينية من أجل بناء مستقبل أفضل، وذلك في المراحل الأولى من التطور العلمي. ففي القرن السابع عشر، في إنكلترا، تحدث العالم الكبير والفيلسوف الديني فرنسيس بايكون Francis Bacon عن تصوره لديانة تساعد الناس على فهم القضايا العلمية والتكنولوجية، وتحسن من قدرتهم على السيطرة على العالم وعلى حياتهم الخاصة. بالنسبة إلى بيكون كانت هاتان المسألتان مترابطتين. ولكن المشكلة، منذ ذلك الحين، كانت بفصلهما عن بعضهما. فالعلماء كانوا منشغلين بدراسة الكون وكيفية تطبيق علومهم، في حين كان رجال الدين يعزلون أنفسهم في معابدهم، ويركزون على السعي إلى التقرب من الله والعمل وفقاً للإرادة الإلهية. في تاريخ العلم والدين، غالباً ما تطورت هذه المواجهة الدائمة بين الطرفين لتتحول إلى تاريخ من التجاهل المتبادل أو تاريخ من النزاع. لمعالجة هذا الانشقاق بين الدين والعلم، علينا إنشاء مراكز عامة للاجتماعات يتقابل فيها أشخاص ملتزمون ينتمون إلى المجالين، وذلك للمشاركة في حوار مفتوح للربط بين العمل العلمي والمعتقدات الدينية وقيمها. بهذه الطريقة فقط، يمكننا أن نأمل ببناء مجتمع فيه مكان للعلم والدين وكل المجالات الأخرى الضرورية لتأمين مستقبل أفضل. سيعتمد دور كل من العلم والدين في المستقبل بشكل كبير على طريقة عمل كل من الطرفين. لذا، أرى أن دور العلم والدين في المجتمع سيرتبط مستقبلاً، بشكل وثيق، بالتحدي القائم على تحسين أداء رجال الدين والعلماء على حد سواء.
إن التقدم الكبير الذي تم إحرازه، في العقدين الأخيرين في مجال العلوم الأساسية والتطبيقية، قد أعاد طرح الأسئلة الأخلاقية والفلسفية التي تربط العلم بالمجتمع. لذا، وبما أن الفيزياء لم تعد مرتبطة بلابلاس Laplace فقط، ولم يعد علم الفلك يقتصر على نيوتن Newton، ولا الكيمياء على لافوازييه Lavoisier، تظهر لنا اليوم صورة جديدة للعلم. علم يعي أهميته الثقافية، ولكن يعرف أيضًا ما هي حدوده. فلم يعد يدعي القدرة على تفسير كل شيء أو التنبّؤ بكل شيء. إنه علم منفتح على مقاربات أخرى وعلى الحوار مع جميع التعاليم والأديان للوصول إلى الحقيقة. في هذه الألفية الثالثة، صار من الضروري أن نستخدم المعرفة العلمية آخذين في الاعتبار هموم الناس الأخلاقية، والحاجة إلى حماية البيئة وتطوير اقتصاد يهتم بشكل أكبر بالأمور الإنسانية. على المجتمع أن يعترف بحصول هذا التحول، وبأنه الوسيلة الأساسية للجمع بين العلم والمجتمع. وأخيراً، يجب أن يكون المجتمع مكانا مساعداً للعمل على تطوير القيم، إذ لا يمكنه أن يستمر فقط كنتيجة أوتوماتيكية للتطور الاقتصادي، التقني والعلمي. ويتوجب على الحكومات، والعلماء، والمواطنين، اللجوء إلى هذه القيم. إذ أن استمرارية الديموقراطية والعيش الكريم تعتمد على ذلك.

جورج بحر


ابو ميادة
avatar
صمت الايام
Admin

رقم العضوية : 1
عدد المساهمات : 183
تاريخ التسجيل : 11/12/2010
العمر : 29

http://rain.3oloum.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى